صديق الحسيني القنوجي البخاري
454
فتح البيان في مقاصد القرآن
كما يقال : علمته الحساب بابا بابا ، وعلمته الخط حرفا حرفا ، والمعنى أنه كرر الدك عليها حتى صارت هَباءً مُنْبَثًّا [ الواقعة : 6 ] قال ابن عباس يعني تحريكها . [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 22 إلى 30 ] وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ( 23 ) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( 24 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ( 25 ) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ ( 26 ) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) وَجاءَ رَبُّكَ أي جاء أمره وقضاؤه وظهرت آياته وقيل المعنى أنها زالت الشبه ذلك اليوم وظهرت المعارف وصارت ضرورية كما يزول الشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه ، وقيل جاء قهر ربك وسلطانه وانفراده بالأمر والتدبير من دون أن يجعل إلى أحد من عباده شيئا من ذلك ، وقيل تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه ، وقيل جاء أمر ربك بالمحاسبة والجزاء وقيل غير ذلك . والحق أن هذه الآية من آيات الصفات التي سكت عنها وعن مثلها عامة سلف الأمة وأئمتها وبعض الخلف فلم يتكلموا فيها ، بل أجروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل ولا تحريف ولا تعطيل ، وقالوا يلزمنا الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها ، والتأويل ديدن المتكلمين ودين المتأخرين ، وهو خلاف ما عليه جمهور السلف الصالحين . وقوله : وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا منتصب على الحال أي مصطفين أو ذوي الصفوف ، قال عطاء يريد صفوف الملائكة وأهل كل سماء صف على حدة قال الضحاك أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفا محيطين بالأرض ومن فيها فيكونون سبعة صفوف . وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ منصوب بجيء والقائم مقام الفاعل قوله : بِجَهَنَّمَ وجوز مكي أن يكون يومئذ هو القائم مقام الفاعل وليس بذاك ، قال الواحدي قال جماعة المفسرين جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش ، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول : يا رب نفسي نفسي . وهذا الذي نقله عن جماعة المفسرين قد أتى مرفوعا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقد أخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها » « 1 » وعلى هذا فالآية مجراة على ظاهرها وقيل المعنى
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 29 ، والترمذي في جهنم باب 1 .